أبي منصور الماتريدي
419
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الغيب بلا تعليم ادّعوه من الله تعالى . وفي قصة آدم عليه السلام دلالة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ أخبر نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أن عرف بالاختلاف إليهم ، أو معرفة الألسن التي بها ذكرت في كتبهم . ذكرها على ما لم يدّع أحد - له العلم بها - النكير عليه ؛ ليعلم أنه بالله علم ذلك . وفيها دلالة فضل آدم عليه السلام أبى البشر ؛ إذ أحوج ملائكته إليه لاقتباس أصل الأشياء ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع ، وبه يصلح وينفع ، ولا قوة إلا بالله . وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين : أحدهما : تعلّمهم العلم الذي هو أحق شئ يحتمل الخير ؛ إذ قد يلهم المرء ربما من غير تكلف ، وهم قد أمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدّد في القول من قوله : أَنْبِئُونِي وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة . والثاني : فيما أمرهم بالسجود لآدم عليه السلام حتى صيّر من أبى كافرا إبليسا . وفي ذلك أيضا دليل فضل آدم عليه السلام ؛ إذ جعل موضع عبادة خيار خلق الله معه ، وبالله التوفيق . وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادة ؛ إذ قد يجوز السجود لأحد من الخلق كما أمر به لآدم عليه السلام : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [ البقرة : 34 ] ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم ، ولله اسم المعبود ، ولو جاز لأحد ذلك لكان غير الله إله . دليل ذلك تسمية العرب كلّ شئ يعبدونه إلها ، ولا قوة إلا بالله . ثم السجود يحتمل وجهين : [ الوجه الأول ] : الخضوع كما قال الله تعالى : يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . . . الآية [ الحج : 18 ] . وقوله : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [ الرحمن : 6 ] ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم ، [ فكذلك يحتمل وجهين : أحدهما : أن الله تعالى إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم ] « 1 » ، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاء النجاة ، أو درك العلو والكرامة أن يعظمه ويبجّله ، ويخضع له . والثاني : امتحنهم بوجه يظهر قدر الطاعة ؛ لأن الخضوع لمن يعلو أمره ويجلّ قدره ،
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في ط .